السيد عباس علي الموسوي

351

شرح نهج البلاغة

193 - ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المتقين روي أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له همام كان رجلا عابدا ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم . فتثاقل عليه السلام عن جوابه ثم قال : يا همام ، إتق اللّه وأحسن : ف إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ . فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي - صلى اللّه عليه وآله - ثم قال عليه السلام : أمّا بعد ، فإنّ اللّه - سبحانه وتعالى - خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنهّ لا تضرهّ معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه . فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدّنيا مواضعهم . فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصّواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التّواضع . غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم . نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزّلت في الرّخاء . ولولا الأجل الّذي كتب اللّه عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثّواب ، وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن قد رآها ، فهم فيها منّعّمون ، وهم والنّار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم . أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم ، تالين لأجزاء